القرطبي

270

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( وإذا الأرض مدت ) أي بسطت ودكت جبالها . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( تمد مد الأديم ) لان الأديم إذا مد زال كل انثناء فيه وامتد واستوى . قال ابن عباس وابن مسعود : ويزاد وسعتها كذا وكذا ، لوقوف الخلائق عليها للحساب حتى لا يكون لاحد من البشر إلا موضع قدمه ، لكثرة الخلائق فيها . وقد مضى في سورة " إبراهيم " ( 1 ) أن الأرض تبدل بأرض أخرى وهي الساهرة في قول ابن عباس على ما تقدم عنه ( 2 ) . ( وألقت ما فيها وتخلت ) أي أخرجت أمواتها ، وتخلت عنهم . وقال ابن جبير : ألقت ما في بطنها من الموتى ، وتخلت ممن على ظهرها من الاحياء . وقيل : ألقت ما في بطنها من كنوزها ومعادنها ، وتخلت منها . أي خلا جوفها ، فليس في بطنها شئ ، وذلك يؤذن بعظم الامر ، كما تلقى الحامل ما في بطنها عند الشدة . وقيل : تخلت مما على ظهرها من جبالها وبحارها . وقيل : ألقت ما استودعت ، وتخلت مما استحفظت ، لان الله تعالى استودعها عباده أحياء وأمواتا ، واستحفظها بلاده مزارعة وأقواتا . ( وأذنت لربها ) أي في إلقاء موتاها ( وحقت ) أي وحق لها أن تسمع أمره . وأختلف في جواب " إذا " فقال الفراء : " أذنت " . والواو زائدة ، وكذلك " وألقت " . ابن الأنباري : قال بعض المفسرين : جواب " إذا السماء انشقت " " أذنت " ، وزعم أن الواو مقحمة وهذا غلط ، لان العرب لا تقحم الواو إلا مع " حتى - إذا " كقوله تعالى : " حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها " [ الزمر : 71 ] ومع " لما " كقوله تعالى : " فلما أسلما وتله للجبين . وناديناه " [ الصافات : 103 - 104 ] معناه " ناديناه " والواو لا تقحم مع غير هذين . وقيل : الجواب فاء مضمرة كأنه قال : " إذا السماء انشقت " فيا أيها الانسان إنك كادح . وقيل : جوابها ما دل عليه " فملاقيه " أي إذا السماء انشقت لاقى الانسان كدحه . وقيل : فيه تقديم وتأخير ، أي " يا أيها الانسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه " " إذا السماء انشقت " . قاله المبرد . وعنه أيضا : الجواب " فأما من أوتي كتابه بيمينه " وهو قول الكسائي ، أي إذا السماء انشقت فمن أوتي كتابه بيمينه فحكمه كذا . قال أبو جعفر النحاس : وهذا أصح

--> ( 1 ) راجع ج 9 ص 383 . ( 2 ) راجع ص 196 من هذا الجزء .